الشيخ عبد الغني النابلسي

134

كتاب الوجود

فقوله : ضنائن ؛ أي خصائص ، يقال : فلان ضنينى من بين إخوتي ، اختص به ، وأضن بمودته ؛ أي أبخل . وهناك أحاديث وأخبار أكثر من هذا تدل على فضائل العارفين بربهم ، المميزين بينه وبين خلقه ، الفانين في وجوده الحق القائمين به لا بأنفسهم ، يدلون عليه بأحوالهم وأقوالهم وأعمالهم - رضى اللّه عنهم أجمعين - « 1 » بأن هذه الطائفة المحققين من أهل اللّه تعالى ، العارفين بربهم ، لم يخترعوا هذا العلم الإلهى والسر الرباني ؛ وإنما أنطقهم اللّه تعالى به لما صفت روحانياتهم من شوائب الأكدار ، وتخلصوا من قيود العقول والأفكار ، فتولاهم اللّه تعالى بعنايته ، واستولى على قلوبهم بولايته . قال تعالى : اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ( البقرة : 257 ) ؛ يعنى من ظلمات الأشياء كلها الفانية الهالكة إلى النور ؛ أي الوجود الحق ، يعنى يخرجهم من علمهم بكل شيء إلى العلم به سبحانه ، وهي حالة أولياء اللّه تعالى العارفين به - سبحانه وتعالى . وقال تعالى : وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( البقرة : 282 ) . فكل من وصل إلى حقيقة التقوى في السر والنجوى علمه اللّه تعالى ما لم يكن يعلم من علوم الأسرار ، وفتح على قلبه خزائن الأنوار ، بحيث إن الجاهل الغافل يعجب منه ويستغرب ما يأتي به من العلوم الإلهية ، وما يصدر عنه ، بل تعجب منه الفحول من العلماء ، والكمل من الفضلاء .

--> ( 1 ) قال الإمام أبو عبد اللّه الترمذي : « الناس صنفان : صنف منهم عمال اللّه يعبدونه على البر والتقوى ، فهم يحتاجون إلى خير الزمان وإقباله ودولة الحق ؛ لأن تأييدهم من ذلك ، وصنف منهم أهل اليقين فيعبدون الحق على وفاء التوحيد عن كشف الغطاء وقطع الأسباب ، فهم غير ملتقين إلى إقبال الزمان وإدباره ، ولا يغيرهم إدباره ، وهو قول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « إن للّه عبادا يغدوهم برحمته ، يحييهم في عافية ، تمر بهم الفتن كقطع الليل المظلم لا تضرهم » [ انظر لطائف المنن ( 38 ) ] .